الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

220

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

هذه الآية في سورة طه . والاهتداء : مطاوع هداه فاهتدى . والهداية حقيقتها : الدلالة على المكان المقصود ، ومنه سمي الدال على الطرائق هاديا ، وتطلق على تعريف الحقائق المطلوبة ومنه إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ [ المائدة : 44 ] . والمقصود هنا المعنى الثاني ، أي رجاء حصول علمكم بوحدانية اللّه وبما يجب له ، وتقدم في اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [ الفاتحة : 6 ] . ومعنى الرجاء المستفاد من ( لعل ) استعارة تمثيلية تبعية ، مثّل حال من كانت وسائل الشيء حاضرة لديه بحال من يرجى لحصول المتوسل إليه . [ 11 ] [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 11 ] وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ ( 11 ) انتقل من الاستدلال والامتنان بخلق الأرض إلى الاستدلال والامتنان بخلق وسائل العيش فيها ، وهو ماء المطر الذي به تنبت الأرض ما يصلح لاقتيات الناس . وأعيد اسم الموصول للاهتمام بهذه الصلة اهتماما يجعلها مستقلة فلا يخطر حضورها بالبال عند حضور الصلتين اللتين قبلها فلا جامع بينها وبينهما في الجامع الخيالي . وتقدم الكلام على نظيره في سورة الرعد وغيرها فأعيد اسم الموصول لأن مصداقه هو فاعل جميعها . والإنشاء : الإحياء كما في قوله : ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ [ عبس : 22 ] . وعن ابن عباس أنه أنكر على من قرأ كَيْفَ نُنْشِزُها [ البقرة : 259 ] بفتح النون وضم الشين وتلا ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ [ عبس : 22 ] فأصل الهمزة فيه للتعدية وفعله المجرد نشر بمعنى حيي ، يقال : نشر الميت ، برفع الميت قال الأعشى : حتى يقول النّاس مما رأوا * يا عجبا للميّت الناشر وأصل النشر بسط ما كان مطويا وتفرعت من ذلك معاني الإعادة والانتشار . والنشر هنا مجاز لأن الإحياء للأرض مجاز ، وزاده حسنا هنا أن يكون مقدمة لقوله : كَذلِكَ تُخْرَجُونَ . وضمير فَأَنْشَرْنا التفات من الغيبة إلى التكلم . والميّت ضدّ الحي . ووصف البلدة به مجاز شائع قال تعالى : وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها [ يس : 33 ] .